Wednesday, November 21, 2007





ملح الطبيعة داخل الجبال

إدريس محمد جميل ـ الجزيرة توك ـ إسلام آباد
بإمكاننا القول أن التطور التقني توقف بالكامل داخل أقدم المناجم للملح في آسيا. فالعمال عراة الصدور يستخدمون الفؤوس والبارود لإزالة صخور الكريستال ذات اللون الوردي والبرتقالي، والمحظوظ فيهم من ينجح في كسب بضعة دولارات في اليوم. هذه الثروة الطبيعية داخل سلسلة مناجم الملح في باكستان استغلها الاستعمار الأجنبي لقرون من الزمن بدءا من الاسكندر المقدوني ووصولا إلى الاستعمار البريطاني الذي ولى قبل نحو ستين عاما.
ويعود سبب اكتشاف هذا المنجم إلى أن الخيول التي كان يمتطيها فرسان الاسكندر المقدوني كانت تلعق الصخور في هذه المنطقة بعد المعركة التي خاضها الإسكندر مع حاكم المنطقة قرب نهر جهلم. وتقع مدينة كيورا التي تضم هذه المناجم على بعد ساعتين شمال العاصمة إسلام آباد على الطريق الرئيسي المؤدي إلى لاهور.ويبلغ طول جبال الملح 300 كيلو متر فيما العرض يتراوح بين 9-30 كيلو متر على ارتفاع يبلغ 2.200 قدم. ويبلغ احتياطي الملح هنا حوالي 220 مليون طن، والانتاج السنوي لسلسلة مناجم كيورا يصل إلى 360 ألف طن.
سلسلة المناجم عبارة عن أنفاق على سبعة عشر مستوى تضم صخورا مالحة براقة، ويكاد الدوي الناتج عن تفجير الصخور يصم الأذن. وقد بنى العمال مسجدا داخل المنجم من الملح وهو في قمة الروعة والجمال. بوسع العامل أن يحفر إلى عمق 5 أقدام في الصخرة، وبعدها تملأ الحفرة بالبارود ومن ثم يتم جمع قطع الملح بعد أن يزول الغبار. أما القوة العاملة في المناجم فتصل إلى حوالي ستمائة وخمسة وثمانين عامل، وكلهم ينتمون إلى أربعة عشر عائلة، لها الحق في وراثة العمل داخل هذه المناجم دون غيرها، وهذا أمر متعارف عليه منذ أيام الاستعمار البريطاني. واستمر الحال على هذا حتى بعد ان تولت الحكومة الباكستانية الإشراف على المناجم، كما أن نفس العوائل لا زالت تتبع عادتها تلك.
محمد بخش من عمال الجيل الثامن في المناجم يقول أن حالته لم تتغير كثيرا عما كانت عليه عندما بدأ عمله قبل أربعين عاما. ويضيف قائلا أثناء رفعه أحجار الملح والحرارة في أشدها داخل المنجم: "أرغب في ترك العمل، فهو شاق جدا، ولا أستطيع جني الكثير منه، الأحوال لم تتغير كثيرا، ومازلنا نستخدم أيادينا والأدوات البسيطة البدائية في استخراج الملح". ويعمل بخش إلى جانب ابنه شهزاد وعمره أربعة وعشرون عاما، إضافة لثلاثة من أبناء عمومته، على ضوء قنديل الغاز داخل المنجم. ومنذ ثلاث سنوات وهم يحفرون في نفس المنجم. الغار الآن يبلغ ارتفاعه ثلاثون قدما والعرض كذلك في حين أن عمقه نحو مائة وعشرون قدما. يحصل بخش وابنه وأبناء عمومته على أقل من ثلاثة دولارات في مقابل كل طن من الملح يستخرجونه. ويقول بخش أنهم لو جدوا في العمل أكثر فبوسعهم الحصول على خمسين دولار في الشهر، وهذا المبلغ وإن كان قليلا إلا أنه يلبي حاجات العوائل الفقيرة في بلد مثل باكستان.